محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
15
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
ذكر هذه الوجوه ، وإنما القصد في هذا المكان التفرقة بين لفظ النكرة والمعرفة في الآيتين ، والموضع الثاني الذي ذكر فيه حق هو خبر عن قوم يرون ذلك ويعتقدونه ويدينون به ، ألا تراه قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 1 » هؤلاء قوم لم يمضوا ، ولم ينقرضوا ، فلذلك قال : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وقال في أول الآية : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ ولم يقل : إن الذين كفروا فلما لم تكن هذه الحال واقعة منهم كانت مخالفة للحال الواقعة التي جعلت خبرا عن قوم مضوا على هذه الأفعال فقال فيهم : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ « 2 » وأما قوله تعالى : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ « 3 » فهو خبر عن قوم كانوا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ « 3 » فكان خبرا عن اعتقادهم ؛ لأنه لا يجوز أن يعاقبوا وتضرب عليهم الذلة والمسكنة بذنوب وقعت من آبائهم لا منهم ، فيصيرون مثل الأولين الذين أخبر عنهم بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ في تمييزه عن القوم الذين كانوا في عصر موسى صلى اللّه عليه وسلم فقال لهم : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ « 5 » فاختير لفظ المعرفة في القصة التي وقعت ووقع الإخبار عنها ، ولفظ النكرة في القصة التي وقع التهديد مقارنا لها ليمنع من وقوعها ، وما كان في حيز ما لم يقع فالذنب في حيز المذكور ، والعقاب عليه مثله كالمنكور . الآية السادسة قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ « 6 » وقال في سورة المائدة « 7 » : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وقال في سورة الحج « 8 » : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ .
--> ( 1 ) سورة : آل عمران ، الآية : 21 . ( 6 ) سورة : البقرة ، الآية : 62 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 61 . ( 7 ) الآية : 69 . ( 3 ) سورة : آل عمران ، الآية : 112 . ( 8 ) الآية : 17 . ( 5 ) سورة : البقرة ، الآية : 61 .